ابن كثير

294

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

شهاب : أن أنس بن مالك حدثهم ، قال : رأيت المقام فيه أصابعه عليه السلام وأخمص قدميه ، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم . وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا بشر بن معاذ أخبرنا يزيد بن زريع ، أخبرنا سعيد عن قتادة وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه . وقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها ، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيه فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى . ( قلت ) وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك ، وكان الخليل عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك ولهذا ، واللّه أعلم ، أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف ، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه ، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم ، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » وهو الذي نزل القرآن بوفاته في الصلاة عنده ، ولهذا لم ينكر ذلك أحد من أصحابه رضي اللّه عنهم أجمعين . قال عبد الرزاق عن ابن جريج : حدثني عطاء وغيره من أصحابنا ، قال : أول ما نقله عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وقال عبد الرزاق أيضا عن معمر ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، قال : أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين البيهقي : أخبرنا أبو الحسين بن الفضيل القطان ، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل ، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي ، حدثنا أبو ثابت ، حدثنا الدراوردي عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي اللّه عنها : أن المقام كان زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وزمان أبي بكر رضي اللّه عنه ، ملتصقا بالبيت ، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم . وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبي أخبرنا ابن أبي عمر العدني قال : قال سفيان ، يعني ابن عيينة وهو إمام المكيين في زمانه : كان المقام من سقع البيت على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبعد قوله وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قال : ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا ، فرده عمر إليه . وقال سفيان : لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله ، وقال سفيان لا أدري أكان لاصقا بها أم لا ؟ فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه ، واللّه علم . وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : أخبرنا ابن عمر وهو أحمد بن محمد بن حكيم ، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب بن أبي تمام ، أخبرنا آدم هو ابن أبي إياس في تفسيره ، أخبرنا شريك عن

--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 586 .